تفاصيل الخبر
البنك الدولي : إقتصادات الأسواق الوليدة .. أداء دون الإمكانات منذ عام 2010
1/21/2026 5:00:25 PM
انخفاض معدلات نمو الاستثمار إلى النصف: مستوى من التراجع شهده عدد أكبر من اقتصادات الأسواق الوليدة مقارنة بالاقتصادات النامية الأخرى
خلصت دراسة جديدة للبنك الدولي إلى أن اقتصادات "الأسواق الوليدة"، وهي مجموعة تضم في الأغلب اقتصادات متوسطة الدخل تُعتبر بيئة اختبار للجيل القادم من الاقتصادات العملاقة، قد أخفقت إلى حد كبير في تحقيق الاستفادة الكاملة من إمكاناتها خلال العقود الأخيرة. ففي المتوسط، كان معدل نصيب الفرد في نمو الاستثمار في العقد الثاني من القرن الحالي إلى الآن أقل من نصف معدله في العقد السابق. ومع ذلك، تُظهر تجربة الاقتصادات الأفضل أداءً بين الأسواق الوليدة دروسًا مستفادة للاقتصادات البالغ عددها 56 التي تندرج حاليًا ضمن هذه المجموعة.
وبالنسبة للمستثمرين العالميين الباحثين عن فرص خارج الاقتصادات المرتفعة الدخل، تشكل الأسواق الوليدة نقطة وسطية، فهي عمومًا أقل اندماجًا في الأسواق المالية العالمية مقارنة بالأسواق الصاعدة لكنها أكثر اندماجًا من الاقتصادات النامية الأخرى التي لا تنتمي إلى فئة الاقتصادات "الصاعدة" أو "الوليدة". وقد ساهم إنشاء هاتين الفئتين من الأصول في الثمانينيات والتسعينيات، وهي مبادرة حظيت بدعم كبير من مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي، في توجيه تدفقات كبيرة من الاستثمارات الخاصة إلى البلدان النامية.
تعليقًا على ذلك، قال إندرميت جيل، رئيس الخبراء الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي والنائب الأول لرئيس البنك الدولي لشؤون اقتصاديات التنمية: "إذا استبعدنا عددًا قليلًا من الاقتصادات التي حققت درجة متقدمة في الاستثمارات على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، سنجد الأسواق الوليدة قد أخفقت في تحقيق طموحات التنمية الاقتصادية"، وأضاف: "الأفراد في الأسواق الوليدة هم في المتوسط أفضل تعليمًا وأطول عمرًا من نظرائهم في الاقتصادات النامية الأخرى، كما أن جودة سياساتها ومؤسساتها أفضل من غير من الاقتصادات، وبعضها غني بالموارد الطبيعية، لكنها لم تترجم هذه المزايا إلى نهضة وتقدم، ومع ذلك لا يزال من اليسير للغاية على هذه الاقتصادات أن تحقق التقدم والنهوض مقارنة بالاقتصادات النامية الأخرى على مستوى العالم".
جدير بالاعتبار أن اقتصادات الأسواق الوليدة تضم حاليا حوالي 1.8 مليار نسمة، أي ما يعادل خمس سكان العالم، ومن المتوقع أن يزداد هذا العدد بنحو 800 مليون نسمة إضافية على مدار السنوات الخمس والعشرين القادمة، وهي زيادة تفوق الزيادة في بقية دول العالم مجتمعة. وتقع أكثر من ثلث هذه الأسواق في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، والعديد منها غني بالمعادن الضرورية للتكنولوجيات الجديدة المرتبطة بمشاريع الطاقة المتجددة، والاتصالات، والإلكترونيات. وغالبا ما تفتخر هذه الاقتصادات بأن مؤسساتها أقوى مقارنة ببقية الاقتصادات النامية الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، تبرز هذه الأسواق كوجهة مفضلة للمستثمرين؛ إذ على مدار السنوات الخمس والعشرين الماضية، تحركت بورصات الأسهم فيها بشكل مستقل إلى حد كبير عن الأوضاع المالية العالمية، وهذا ما يفسر أن حركة الأسهم والبورصات صعودًا وهبوطًا في هذه الاقتصادات كانت الأقل على مستوى العالم بنسبة 1 إلى 8. وهذه النسبة أقل بكثير مقارنة بالاقتصادات المتقدمة أو الأسواق الصاعدة.
بدوره، قال أيهان كوسي، نائب رئيس الخبراء الاقتصاديين ومدير مجموعة آفاق التنمية بمجموعة البنك الدولي: "ستؤدي هذه الاقتصادات دورًا مهمًا في التصدي للتحدي المتمثل في خلق الوظائف الذي تواجه الاقتصادات النامية، فهي ستضم نحو خمس الشباب في البلدان النامية والبالغ عددهم 1.2 مليار شخص الذين سيصلون إلى سن العمل خلال العقد المقبل"، مشيرًا إلى أن "الأسواق الوليدة الأفضل أداءً اتبعت مسارات مختلفة، لكنها توافقت بشأن بعض الإستراتيجيات المشتركة، وخصوصًا السياسات المشجعة للنمو، والبنية التحتية الداعمة للاستثمار، وتحسين إدارة المالية العامة، والبيئة المؤسسية التي تجتذب الاستثمارات الخاصة". كما لفت إلى أن "المكاسب التي تحققت كانت كبيرة، فقد تضاعف نصيب الفرد من الدخل في الربع الأعلى أداءً في هذه الاقتصادات بمقدار أربعة أضعاف تقريبًا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية".
ومع ذلك، فإن هذه الاقتصادات في المتوسط لم تحرز تقدمًا كبيرًا في جذب الاستثمارات منذ عام 2000. وعلى مدار السنوات الخمس والعشرين الماضية، تراجع معدل نصيب الفرد في نمو الاستثمار في هذه الاقتصادات بشكل ملحوظ، حيث وصل إلى 2% فقط خلال عشرينيات القرن الحالي، وهو أقل من نصف المعدل المسجل في العقدين السابقين. وتشكل هذه الاقتصادات حاليًا حوالي 3.1% فقط من إجمالي تدفقات رأس المال العالمية، وأقل من 5% من إجمالي الناتج الاقتصادي العالمي.
ووفقًا للقوانين المعمول بها، حققت هذه الأسواق تقدمًا ملحوظًا في فتح أسواقها المالية على مدار السنوات الخمس والعشرين الماضية، حيث بلغت درجة الانفتاح الحالية نصف ما حققته الاقتصادات المتقدمة، مقارنة بحوالي خمس المستوى في عام 2000. غير أن التنمية الفعلية لهذه الأسواق المالية لا تزال بطيئة؛ فعلى سبيل المثال، لا تزال أسواق العملات المحلية غير متطورة نسبيًا، ولا تقدم البنوك والمؤسسات المالية المحلية الكثير من القروض للأسر المعيشية والشركات الخاصة مقارنة بالوضع في الأسواق الصاعدة.
ومما لا شك فيه أن تحسين ضبط أوضاع المالية العامة يمثل عاملًا رئيسيًا في تمكين الأسواق الوليدة من تحقيق إمكاناتها في السنوات القادمة. فقد شهد الإنفاق الحكومي كنسبة من إجمالي الناتج المحلي ارتفاعًا، بينما ظلت الإيرادات ثابتة. وأدى ذلك إلى زيادة أعباء الديون والتخلف عن سدادها. وتنفق هذه الأسواق في المتوسط اليوم حوالي 2.5% من إجمالي الناتج المحلي على مدفوعات فوائد ديونها، وهو أعلى مما تنفقه الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية الأخرى. وقد تخلفت نحو 40% من هذه الأسواق عن السداد مرة واحدة على الأقل بين عامي 2000 و2024. ومنذ تفشي جائحة كورونا، سجلت هذه الأسواق حالات تخلف عن السداد أكثر مما سجلته جميع البلدان الأخرى مجتمعة.
ومع ذلك، فقد تمكنت بعض اقتصادات الأسواق الوليدة من تحقيق نجاح أفضل في تجاوز مثل هذه الأزمات. ففيتنام، التي كانت واحدة من أفقر بلدان العالم عند مطلع القرن الحالي، أصبحت الآن ضمن أسرع 10 اقتصادات نموًا خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية. أما رواندا، التي خرجت من حربٍ أهلية في تسعينيات القرن الماضي، فقد أصبحت إحدى قصص النجاح الاقتصادي الكبرى في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، من خلال اعتمادها بشكل كبير على السياحة والخدمات الأخرى. وعلاوة على ذلك، تمكنت أربع أسواق وليدة، وهي بلغاريا وكوستاريكا وبنما ورومانيا، من تحقيق وضعية البلدان المرتفعة الدخل منذ عام 2012. وحتى يتسنى لهذه الاقتصادات الاستفادة القصوى من إمكاناتها، عليها بذل الكثير من الجهود التي تتجاوز مجرد فتح أسواقها، حيث سيتعين عليها تطوير وتنمية هذه الأسواق وتوفير الضمانات المؤسسية الضرورية لإدارتها.